المسار | وعلى حين غفلة، تسلل قلمي الأزرق بين أناملي، فمددت يدي، وإذا بي أخط كلماتي على السطور. حينها ترددت في ذاكرتي تلك الأحلام والآمال التي لطالما حملتها بين يدي كزهرة باسمة؛ إنها أحلام الطفولة.
فما بين أهازيج السعادة العذبة، أغمضت عيني، حينها مرّ بي شريط الذاكرة عندما كنت أترقب أبواب المدرسة لأشتري حقيبتي الجديدة ودفاتري الملونة. كنت أنتظر بداية العام حتى أختار الشخصية الكرتونية المحببة لدي، فتكون مطبوعة على جميع مستلزماتي المدرسية. كم كانت تلك اللحظات جميلة! مرّت وكأنها حلم وردي عابر.
ثم يتكرر المشهد في كل عام مع أبنائنا الطلبة؛ نجد الفرحة تغمرهم، والأسواق تعجّ بهم، ليختار كل منهم مستلزماته المدرسية، ويكون في أوج الاستعداد للانطلاق في رحاب العلم، فيلتقي كل منهم بزميله وسط هتافات وضحكات تعانق عنان السماء.
ولكن، بعد وهلة، أدركت بجدية تامة أن الاستعداد المادي لا يكفي وحده لإرسال أبنائنا الطلبة إلى المدرسة، فهناك ما هو أهم من ذلك.
رسالتي هي أن على كل ولي أمر أن يطرح على نفسه هذا السؤال: هل أعددت ابنك، فلذة كبدك، فكريًا ونفسيًا للانتقال إلى مرحلة دراسية جديدة؟
إن أبناءنا سواعد الوطن، وهم بحاجة إلى أن نقف بجانبهم، وأن نربت على أكتافهم قليلًا، فنضع عليهم جزءًا من المسؤولية، ونخبرهم أن المدرسة هي بيتهم الثاني، فاجعلوا لها قدرًا من الولاء والانتماء.
وأن المعلم بمثابة الأب، والمعلمة بمثابة الأم، وأن زملاءهم إخوة وأصدقاء تجمعهم بيئة قائمة على الاحترام والتعاون. وحتى حارس المدرسة وعامل النظافة، لهم قدر من الاحترام والتقدير؛ فلكل فرد في المدرسة دور وأثر في بناء المدرسة.
فضعوا نصب أعينكم أن الإعداد النفسي والفكري والأخلاقي يترك أثرًا ملموسًا في نفوس الناشئة. ففي وسط زحام الطلبة، ينقل كل منهم ما تعلّمه في بيته، ويوجّه بعضهم بعضًا، ويتعلمون كيف يعيشون معًا في بيئة يسودها الاحترام والمسؤولية.
فلا تغفلوا عن التوجيه والتنبيه. أخبروهم أن زملاء الدراسة بحاجة إليهم، فكونوا لهم الساعد المتين الذي يتكئ عليه كل منهم حين يتعثر، والعون الذي يسانده حين يحتاج. وأرشدوهم إلى أن رُبّ نصيحة تُوجَّه إلى زميل قد تنبت بساتين من الرحمة، وأن ما تقدموه لأنفسكم من خير تجدوه عند الله.
علّموهم أن أمانة العلم لا تهاون فيها، وأن المدرسة ليست مكانًا لتلقي العلم فحسب، بل مساحة لبناء الإنسان، وصناعة القيم، وتكوين العلاقات الطيبة.
وقبل أن نسأل أبناءنا: هل جهزتم حقائبكم؟ فلنسأل أنفسنا أولًا: هل جهزنا أبناءنا للحياة المدرسية؟
فما نزرعه اليوم في نفوس أبنائنا، سيحصد الوطن ثماره غدًا.
المصدر