المسار | مقالات الرأي
أحلام الحاتمي
تشكّل كلمة السيدة الجليلة حرم جلالة السلطان -حفظها الله ورعاها- بمناسبة يوم المرأة العُمانية، وثيقة فكرية ووطنية تتجاوز حدود التهنئة البروتوكولية المعتادة، لترسم ملامح مرحلة جديدة من فلسفة التمكين والمسؤولية للمرأة العُمانية. فالكلمة التي اتسمت بعمق لغوي ودقة مفاهيمية، حملت في طياتها رسائل استراتيجية مكثفة تعكس التحول الرزين والمستدام الذي تشهده مسيرة مشاركة المرأة العُمانية في التنمية الوطنية تحت ظل النهضة المتجددة.
أولاً: التأكيد السامي على مقعد المرأة في مجلس الشورى.. ترسيخ للمكتسبات وهندسة للتمكين
فحين توقفت الكلمة السامية عند قرار تخصيص مقعد إضافي للمرأة في مجلس الشورى عن كل محافظة – وهو المكتسب الذي أُعلن عنه مسبقاً- فإن هذا التذكير المؤكد يحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية منها:
- الاحتفاء بالمكتسب وتحويله إلى عقيدة عمل: إن إعادة تسليط الضوء على هذا الامتياز السامي في خطاب السيدة الجليلة لا يُعد مجرد استعراض للإنجازات، بل هو تكريس له ليصبح جزءاً راسخاً من البنية التشريعية والسياسية العمانية، ويعكس إرادة سياسية عليا تؤكد أن وجود المرأة تحت قبة مجلس الشورى ليس مجرد صدفة انتخابية، بل هو استحقاق وطني مدعوم برعاية مؤسسية تضمن استمراريته.
- التوازن الجغرافي والتمثيل الشامل: يضمن هذا التخصيص المستمر حضوراً نوعياً وجغرافياً متوازناً للمرأة في المؤسسة التشريعية والرقابية من مختلف محافظات سلطنة عُمان. وهذا النهج يمنع تركز التمثيل النسائي في المراكز الحضرية الكبرى، ويفتح الباب أمام أصوات الكفاءات النسائية في كافة الولايات والمحافظات لنقل هموم مجتمعاتهن المحلية وصياغة تشريعات تمس حياة المواطن مباشرة.
- الاستحقاق والواجب (مبدأ المكافأة بالعمل): وضعت الكلمة السامية النقاط على الحروف حين أشارت إلى أن هذا الاستحقاق يوجب ما يكافئه من مشاركة فاعلة وجهد وطني مخلص. وهي عبارة تشير بوضوح إلى أن المقعد التشريعي ليس مجرد “مكسب شكلي”، بل هو مساحة مسؤولية وأمانة تفرض على المرأة العُمانية الارتقاء بمستوى الأداء الفكري والتشريعي، والنهوض بمسؤولية المشاركة الفاعلة ترشحاً وانتخاباً وعملاً برلمانياً جاداً.
ثانياً: بناء الإنسان العُماني في زمن التدافع الفكري والمعرفي
في بُعدٍ آخر لا يقل أهمية، لامست السيدة الجليلة تحديات العصر الراهن، حيث أشارت إلى أنه “في زمن تتسع فيه فضاءات المعرفة، وتتعدد مصادر التأثير وتتداخل الأفكار؛ يتعاظم دور المرأة في بناء الأمم والمجتمعات والإنسان عقلًا ووجدانًا وهوية راسخة”.
تتجلى في هذا الطرح رؤية عميقة لمفهوم الأمن الفكري والاجتماعي ومن ضمنها:
- المرأة كحارس للهوية: في ظل الانفتاح الرقمي الشديد، يُعاد تعريف دور المرأة العُمانية ليصبح دوراً استراتيجياً في صون الهوية والقيم الوطنية، وتشكيل وعي الأجيال القادمة بعقليتها المستنيرة ورعايتها الحصيفة.
- التوازن بين الأصالة والمعاصرة: التأكيد على أن الاستثمار الأهم هو “تمكين الإنسان بالعلم والمعرفة” و”تهيئة أسباب إبداعه”، وهو ما يجعل المرأة شريكاً أصيلاً في التنمية الاستشرافية لرؤية “عُمان 2040”.
ثالثاً: البُعد اللغوي والدلالي:
أظهر النص وبلغة رصينة مفاهيم محورية تسهم في تعزيز الثقافة الوطنية، ومن هذه المفاهيم:
- الشراكة لا المفاضلة: لم يتحدث النص عن المرأة ككيان معزول، بل باعتبارها “شريكة مجدٍ لا ينضب” وواحدة من “أبنائه وبناته” الذين يستمد الوطن قوته من عزائمهم.
- الاستدامة والعطاء الممتد: التأكيد على أن احتفاء 17 أكتوبر ليس حدثاً تقويمياً عابراً، بل هو تجديد لعهود العطاء والإيمان بالرسالة الإنسانية والوطنية للمرأة.
ختاماً:
إن تهنئة السيدة الجليلة -حفظها الله- بيوم المرأة لهذا العام جاءت لتؤكد على ثوابت النهضة المتجددة في دعم المرأة. وأن التذكير بالامتياز السامي لتخصيص مقعد للمرأة عن كل محافظة في مجلس الشورى يمثل نقلة تاريخية واعية، تضع المرأة العُمانية أمام محك المسؤولية الوطنية الحقيقية، وترسخ القناعة بأن بناء الوطن لا يتحقق إلا بتكامل جناحي المجتمع: الرجل والمرأة.
المصدر