المسار | مقالات الرأي
د. بدر بن أحمد البلوشي
من حق أي دولة عربية أن تدين استهداف أراضيها، وأن ترفض المساس بأمنها وسيادتها ومواطنيها.. فالأرض ليست مساحة جغرافية فحسب، بل كرامة وطن وحدود دولة وحق شعب في الأمن والاستقرار.. ولهذا فإن إدانة أي اعتداء إيراني على الإمارات أو الأردن أو غيرهما موقف مفهوم ومشروع.. لكن قوة هذا الموقف لا تكتمل إلا عندما يظل المبدأ نفسه حاضرا أمام جميع الأطراف.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نطرحه على الآخرين.. هل نرفض الاعتداء لأنه اعتداء على سيادة دولة، أم نرفضه فقط لأن المعتدي خصم لنا؟ وهل يصبح الصاروخ أكثر خطورة حين يكون إيرانيا، وأقل خطورة حين يكون أمريكيا أو إسرائيليا؟
إذا اختلف الحكم باختلاف اسم المهاجم، فنحن أمام مصلحة سياسية لا أمام مبدأ ثابت.
السيادة لا تعرف لون الطائرة التي انتهكتها، ولا جنسية الصاروخ الذي اخترق حدودها.. ولا ينبغي أن تكون كلمة نستدعيها بقوة عندما نتضرر، ثم نخفض صوتها عندما يتضرر الآخرون.. فالمبدأ الحقيقي لا يسأل من المعتدي قبل أن يحدد موقفه من الاعتداء.. وإلا تحولت القيم الكبرى إلى أدوات سياسية تستخدم حين تخدم المصالح فقط.
لسنا هنا في موقع الدفاع عن إيران، كما أننا لسنا في موقع الخصومة مع أمريكا أو إسرائيل.. الفكرة أبسط وأعمق من الاصطفافات السياسية التي تغيرها الأحداث والتحالفات والمصالح. إننا ندافع عن مفهوم الدولة، وعن حرمة الحدود، وعن حق الشعوب في ألا تتحول أراضيها إلى ساحات حرب.. فالسكوت عن انتهاك سيادة الآخر قد يضعف حجتنا يوم نطالب العالم باحترام سيادتنا.
المشكلة ليست في اختلاف المواقف السياسية، فالدول تتحرك وفق مصالحها وهذا أمر مفهوم. لكن الخطورة تبدأ عندما نحاول منح هذه المصالح ثوبا أخلاقيا، ثم نسميها مبادئ ثابتة. فيمكن للدولة أن تتحالف مع طرف وتختلف مع آخر، دون أن تغير تعريفها للاعتداء والسيادة. وهنا تظهر قيمة الدولة التي تدير مصالحها دون أن تفقد وضوحها الأخلاقي والقانوني.
لقد أصبح المجتمع أكثر وعيا مما كان عليه في السابق، ولم تعد البيانات تمر دون قراءة ومقارنة. المواطن يرى الإدانة هنا، ويرى الصمت هناك، ويتساءل عن السبب والمعيار الذي يحكم الموقفين. وقد يتفهم الإنسان اختلاف المصالح، لكنه يصعب أن يقتنع بمبدأ يتغير كلما تغير اسم الفاعل. فالوعي الشعبي اليوم يختبر صدقية الخطاب أكثر مما يختبر جمال الكلمات المستخدمة فيه.
حين نقول إن استهداف دوله معينه أمر مرفوض، فإننا نؤسس لقاعدة يجب أن نحترمها نحن أيضا. وحين نقول إن سيادة الدول خط أحمر، فلا ينبغي أن يتحول هذا الخط إلى أخضر أمام طائرات الحلفاء. فالحق الذي نطالب به لأنفسنا يكتسب قوته من اعترافنا بالحق نفسه للآخرين. وهذا ليس مثالية سياسية، بل هو أساس النظام الدولي الذي نطالب الجميع باحترامه.
ليس المطلوب كذلك أن نساوي بين كل الحروب أو أن نتجاهل اختلاف أسبابها وظروفها ومسؤوليات أطرافها. فلكل أزمة سياقها، ولكل دولة حساباتها، ولكل اعتداء ظروفه السياسية والعسكرية والقانونية المختلفة. لكن وسط كل هذا التعقيد يجب أن يبقى هناك أصل لا يتغير بتغير الخرائط والتحالفات. وهو أن سيادة الدول ليست تفصيلا يمكن تجاوزه كلما امتلك طرف ما قوة أكبر.
الدول الكبرى قد تستطيع فرض إرادتها اليوم، لكنها لا تستطيع ضمان بقاء ميزان القوة إلى الأبد. والتاريخ يعلمنا أن التحالفات تتبدل، وأن الخصوم قد يصبحون أصدقاء، وأن المصالح لا تعرف الثبات. ولهذا فإن الدولة الحكيمة لا تبني موقفها الأخلاقي على شكل التحالفات القائمة في لحظة سياسية عابرة. بل تتمسك بقواعد قد تحتاجها غدًا عندما تتغير الظروف وتتبدل مواقع القوة.
أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نربي أجيالنا على أن الاعتداء تحدده هوية المعتدي لا طبيعة الفعل. فإذا جاء من خصم أصبح انتهاكا للسيادة، وإذا جاء من حليف بحثنا له عن عشرات التبريرات. بهذا المنطق لا نبني ثقافة احترام القانون، بل نكرس ثقافة القوة والانتقائية والازدواجية. وعندها لن يستطيع أحد أن يلوم الأقوى عندما يستخدم المنطق نفسه ضدنا. إن الدفاع عن سيادة الدول واجب لا يحتاج إلى تردد أو تبرير.
لكن هذا الدفاع يصبح أكثر قوة واحتراما عندما يكون جزءًا من رؤية أشمل تحترم سيادة الجميع. فالعدالة لا تعني أن نقف مع خصومنا، بل أن نمتلك معيارا لا يتغير لأن أسماء الأطراف تغيرت. والموقف القوي ليس الذي يصرخ أكثر، بل الذي يستطيع الدفاع عن منطقه في جميع الحالات. نحن بحاجة اليوم إلى خطاب عربي ناضج لا يخجل من مصالحه، لكنه لا يبيع مبادئه من أجلها.
خطاب يقول للحليف إن صداقتنا لا تمنحك حق تجاوز القانون، ويقول للخصم إن خلافنا لا يلغي حقوقك. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على اختيار الإدانة المناسبة لكل حدث، بل في ثبات المعيار أمام الجميع. وهذا هو الفرق بين دولة تدير موقفا سياسيا، ودولة تبني احتراما طويل الأمد لمواقفها.
وفي النهاية تبقى المسألة أكبر من إيران وأمريكا وإسرائيل، وأكبر من أزمة عسكرية قد تنتهي غدا. إنها مسألة تتعلق بالقاعدة التي نريد أن تحكم منطقتنا عندما تهدأ المدافع وتتغير التحالفات. فالمبدأ الذي نقبل كسره اليوم لأن المعتدي حليف، قد نبحث عنه غدًا عندما يكون المعتدى عليه وطننا. ولهذا يجب أن نقولها بلا انتقائية ولا مواربة.. السيادة لا تتجزأ..
المصدر