المسار| مقالات الرأي
محمد بن علي البادي
ليس كل قرارٍ صائبًا لمجرد أنه انطلق من نيةٍ صادقة، وليس كل قرارٍ ناجحًا لمجرد أنه بدا مثاليًا على الورق. فبين الرؤية التي يصوغها صاحب القرار، والواقع الذي يعيشه الناس، جسرٌ لا يُبنى إلا بالاستماع والمراجعة والشجاعة.
وهذه ليست قاعدة تخص المسؤول أو المدير وحده، بل هي سنة من سنن الحياة تبدأ من داخل الأسرة؛ فالأب قد يتخذ قرارًا وهو على يقين بأنه الأفضل لأبنائه، ثم تكشف له الأيام أن ما رآه صوابًا من زاويته يحتاج إلى مراجعة من زاوية أبنائه. وهنا تظهر قيمة الحكمة الحقيقية: أن ندرك أن حسن النية لا يعفي من مسؤولية النتيجة. فالقرار الشجاع ليس أن تتمسك بما قررت، وإنما أن تمتلك شجاعة مراجعة ما قررت عندما يكشف الواقع أن هناك ما يحتاج إلى تعديل.
صاحب القرار الملهم لا يكتفي بالنظر إلى الأرقام والحسابات النظرية، ولا يتوقف عند جدوى القرار على الورق، وإنما يسأل السؤال الأهم: كيف سينعكس هذا القرار على حياة الناس اليومية؟ قد تكون الأهداف نبيلة، والرؤية مستقبلية، والمبررات مقنعة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ لحظة انتقال القرار من الورق إلى الواقع. هناك فقط تظهر الفجوة بين ما نتصوره وما يعيشه الناس، وهناك أيضًا تتجلى مرونة القيادة الذكية. فقد يكون القرار ضروريًا، لكن تطبيقه يحتاج إلى تدرج يخفف الأعباء عن الناس. وقد يكون الهدف التنموي صحيحًا، لكن الأداة المستخدمة للوصول إليه تحتاج إلى مراجعة وتطوير.. وقد تكون النوايا صادقة، لكن النتائج الملموسة هي المعيار الحقيقي للحكم على نجاح القرار.
إن مراجعة القرارات لا تعني التراجع، ولا تمثل ضعفًا في شخصية صاحب القرار، بل هي إحدى أعلى درجات المسؤولية والنضج المؤسسي. فالمسؤول الذي لا يراجع قراراته خوفًا من أن يُفسَّر ذلك على أنه تراجع، قد يتحول مع الوقت إلى أسيرٍ لقرارٍ لم يعد ينسجم مع الواقع. أما المسؤول الذي يمتلك شجاعة التقييم، فهو أكثر قدرة على التطوير وتصحيح المسار وتحقيق المصلحة العامة.
فليست كل مراجعة للقرار تراجعًا، وليست كل حالة ثبات عليه شجاعة؛ فقد يكون الإصرار على الخطأ أشد ضعفًا من الاعتراف به.
فالقرار لا يُقاس فقط بشجاعة اتخاذه، وإنما أيضًا بشجاعة تحمّل تبعاته. ومن السهل أن يصدر الإنسان قرارًا من موقع المسؤولية، لكن الأصعب أن يقف أمام نتائجه بصدق، وأن يعترف بما أصاب فيه وما أخطأ، وأن يتحمل مسؤولية الأثر الذي تركه في حياة الناس. فالمسؤولية الحقيقية لا تنتهي عند توقيع القرار، بل تبدأ منه؛ لأن وراء كل قرار أناسًا تتغير حياتهم، وأسرًا تتأثر، ومصالح قد تتقدم أو تتعثر.
ومن هنا، فإن صاحب القرار الحقيقي لا يبحث عن إثبات أنه كان على صواب بقدر ما يبحث عن التأكد من أن المصلحة العامة ما زالت تتحقق. وكما أن الأب الحكيم يصغي إلى أبنائه ليفهم تطلعاتهم واحتياجاتهم، فإن القيادة الناجحة لا تنظر إلى الملاحظات البناءة باعتبارها اعتراضًا، وإنما تراها مصدرًا من مصادر تحسين القرار، وترى في صوت المجتمع رافدًا مهمًا إلى جانب التقارير الرسمية والبيانات والأرقام. فالبيانات ترسم الصورة الكبيرة، والأرقام تساعد على بناء الرؤية الاستراتيجية، لكن المشاركة المجتمعية تمنح هذه الأرقام بُعدها الإنساني، وتكشف تفاصيل قد لا تظهر في الجداول والتقارير. ولهذا فإن أعظم القيادات ليست تلك التي تملك الإجابة عن كل شيء، وإنما تلك التي تعرف متى تتحدث، ومتى تستمع، ومتى تراجع، ومتى تعدل المسار.
ومن الطبيعي ألا تكون جميع القرارات مرضية للجميع؛ فإدارة الدول والمؤسسات والمجتمعات تفرض أحيانًا خيارات صعبة، تقتضيها الظروف الوطنية والتحديات الاقتصادية والتنموية، وقد تتطلب قرارات حاسمة لا يمكن تأجيلها. لكن صعوبة القرار لا تعني غياب التوازن. فالقيادة المسؤولة هي التي تبحث عن العدالة في توزيع الأعباء، وتحمي الفئات الأكثر تأثرًا بالإصلاحات، وتوازن بين متطلبات الحاضر وطموحات المستقبل، بحيث لا يكون بناء المستقبل سببًا في إرباك حياة الناس في الحاضر.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين ممارسة السلطة وإدارة المسؤولية. فالسلطة تستطيع أن تصدر القرار، لكن المسؤولية تفرض عليك أن تراقب أثره. والسلطة تستطيع أن تفرض التنفيذ، لكن القيادة الحقيقية تسأل عن النتائج.. والسلطة قد تتمسك بالقرار، أما القيادة الناضجة فتمتلك الشجاعة لتعديله عندما يثبت الواقع أن التعديل هو الطريق الأفضل للمصلحة العامة.
إن الاستماع الشفاف يبني الثقة، والمراجعة الذاتية تعكس النضج، وتصحيح المسار لا يقلل من هيبة القرار، بل يزيد من احترام الناس لصاحبه.
وفي نهاية المطاف، القيادة ليست في عدد القرارات التي نتخذها، وإنما في حجم الأثر الإيجابي الذي تتركه تلك القرارات في حياة الناس.. فالقرار العظيم ليس هو القرار الذي يبدو عظيمًا عند إصداره، وإنما القرار الذي يثبت الزمن أنه كان عادلًا، متوازنًا، قابلًا للتطوير، وقادرًا على صناعة مستقبل أفضل دون أن يغفل الإنسان الذي من أجله صُنع القرار.
المصدر