المسار | مقالات الرأي
صالح الحمداني
إذا أردت أن تكون باحثًا حقيقيًا عن الحقيقة فعليك أن تمنح نفسك، ولو مرة واحدة في حياتك، قدرًا من الشجاعة يجعلك قادرًا على الشك في كل شيء، قدر استطاعتك، توقف قليلًا أمام الأفكار التي تبدو لك يقينية، والمواقف التي اعتدت عليها، والقناعات التي أصبحت مع مرور السنوات جزءًا من طريقة تفكيرك، ثم اسأل نفسك بصدق وهدوء “كيف وصلت إلى هذه الفكرة؟ ومن أين جاءت؟ ومتى بدأت أؤمن بها؟ وهل أؤمن بها لأنها تستند إلى دليل مقنع وفهم واضح، أم لأنني نشأت عليها واعتدت سماعها من المحيطين بي حتى أصبحت مألوفة إلى درجة أنني لم أعد أفكر في أصلها»؟ هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة في ظاهرها غير أنها قادرة على فتح أبواب واسعة داخل العقل، فالإنسان كثيرًا ما يعيش سنوات طويلة وهو يحمل أفكارًا لم يتوقف يومًا ليسأل عن مصدرها، ثم يتعامل معها على أنها حقائق نهائية، وقد يكون السبب في ذلك أن الفكرة جاءت من شخص نحترمه، أو من بيئة نشأنا فيها، أو من مجتمع اعتدنا أن نثق بأحكامه وتصوراته، ومع تكرار الفكرة وسماعها منذ الصغر، تصبح مألوفة في النفس، وقد تختلط الألفة بالحقيقة حتى يصعب على الإنسان التمييز بينهما.
والشك المقصود هنا لا يعني إنكار كل شيء، ولا يعني أن يعيش الإنسان في حالة مستمرة من الحيرة والقلق، الشك الصحي مرحلة من مراحل التفكير، ووسيلة تساعد العقل على اختبار ما يعتقده بدل أن يقبله بصورة تلقائية، إنك عندما تشك في فكرة ما، فأنت تمنحها فرصة حقيقية لكي تثبت قوتها، تضعها أمام السؤال وتعرضها على الدليل، وتنظر إليها من أكثر من زاوية، ثم تقرر موقفك منها بعد فهم أعمق، والحقيقة لا تخشى السؤال، والفكرة التي تقوم على أساس متين لا تنهار لمجرد أن الإنسان سأل عنها، على العكس فإن القناعة التي تمر عبر طريق البحث والمراجعة تصبح أكثر قوة ووضوحًا، لأنها لم تعد مجرد فكرة موروثة أو موقف اعتاد عليه الإنسان، وإنما أصبحت قناعة فهم أسبابها واطمأن إلى أدلتها.
كثير من الأفكار التي نحملها منذ طفولتنا لم نخترها بأنفسنا، وجدناها حولنا في الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والبيئة التي تربينا فيها، سمعناها من الوالدين، والأقارب، والمعلمين، والأصدقاء، وربما تكررت أمامنا حتى تسللت إلى وعينا تدريجيًا، وأصبحت جزءًا من الصورة التي نرى من خلالها العالم، ومع مرور الوقت قد يتحول ما ورثناه من أفكار إلى جزء من هويتنا الشخصية، فنشعر أن مجرد الاقتراب منه بالسؤال أو المراجعة يمثل تهديدًا لنا، وهنا تظهر أهمية التمييز بين الإنسان والفكرة التي يحملها، أنت أكبر من فكرة واحدة وهويتك لا تختصر في رأي أو قناعة أو موقف فكري، لذلك فإن مراجعة فكرة آمنت بها سنوات طويلة لا تعني أنك تهدم نفسك أو تتخلى عن تاريخك، قد تعني أنك أصبحت أكثر نضجًا، وأنك ترغب في أن تعرف لماذا تؤمن بما تؤمن به، وقد تقودك المراجعة إلى التمسك بالفكرة نفسها، لكن هذه المرة عن وعي واختيار، وقد تقودك إلى تعديل جزء منها أو تغييرها بعد ظهور معلومات وأدلة جديدة.
إن البحث الصادق عن الحقيقة يحتاج إلى عقل يسأل، وقلب مخلص، ونفس تتواضع أمام الحق، فكلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد إدراكه لحجم ما يجهله، وكلما اقترب من الحقيقة، شعر بحاجته إلى أن يُهدى إليها وأن يثبت عليها، لذلك لا تخف من السؤال ولا تعتبر المراجعة ضعفًا، ولا تجعل الألفة دليلًا على صحة الفكرة، ابحث، وتأمل، واقرأ، واستمع، وقارن، ثم اتبع ما يقودك إليه الدليل بصدق وتجرد، فقد تكون لحظة الشك التي ظننتها اضطرابًا هي بداية اليقين الذي كنت تبحث عنه منذ سنوات.
المصدر