المسار | مقالات الرأي
محمد بن حمد البادي
يُقصد بالبُعد النفسي في العملية التعليمية مجموعة المشاعر والحالات والاتجاهات التي تؤثر في قدرة الطالب على التفاعل والمشاركة والاستفادة من الخبرات التعليمية في البيئة المدرسية، ويشمل ذلك شعوره بالأمان والانتماء والتقدير، وامتلاكه الدافعية للتعلم والثقة بالنفس، وقدرته على التعبير عن آرائه ومشاعره، وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين، وتحمل المسؤولية والتعامل مع التحديات بصورة متوازنة.
ومن هذا المنظور، لا يمثل البُعد النفسي جانبًا ثانويًا في العملية التعليمية، بل يعد أساسًا في بناء شخصية الطالب وتحقيق نموه المتكامل، ورافدًا مهمًا لجودة المخرجات التعليمية، فالطالب الذي يشعر بالأمان والانتماء والتقدير يكون أكثر استعدادًا للإقبال على التعلم، وأكثر قدرة على التركيز والمشاركة وطرح الأسئلة والتفاعل مع المواقف التعليمية المختلفة، كما أن توفير بيئة تعليمية مشجعة يعزز دافعية الطالب للتعلم؛ لأنه يشعر بأن جهده مقدّر، وأن الخطأ فرصة للتعلم وليس سببًا للخوف أو الإحباط.
كما أن الثقة بالنفس تؤدي دورًا محوريًا في هذا الجانب؛ فالطالب الواثق من نفسه، المؤمن بقدراته يكون أكثر استعدادًا لخوض تجارب تعليمية جديدة، والتعبير عن أفكاره، ومناقشة ما يتعلمه، ومحاولة حل المشكلات دون تردد، ومن هنا يرتبط البعد النفسي كذلك بتنمية روح المبادرة؛ إذ إن الطالب الذي يشعر بأن صوته مسموع وأن مشاركته موضع تقدير يصبح أكثر استعدادًا للمبادرة بطرح الأفكار، والمشاركة في الأنشطة والمشروعات، وتحمل المسؤولية، والتعاون مع الآخرين، واتخاذ مواقف إيجابية في المواقف التعليمية المختلفة.
وعليه؛ فإن المخرجات التعليمية لا ينبغي أن تقتصر على التحصيل الأكاديمي بما يشمله من قراءة وكتابة وتلقين وحفظ المعلومات فقط، وإنما ينبغي أن تشمل مهارات التفكير، والقدرة على التواصل، وتعزيز الثقة بالنفس، والمبادرة، وتحمل المسؤولية، والتعاون، والتعلم المستمر، فهذه الجوانب مجتمعة تساعد الطالب على الانتقال من متلقٍ للمعرفة إلى متعلم فاعل قادر على توظيف ما يتعلمه في مواقف الحياة والدراسة والعمل.
وانطلاقًا من ذلك، ينبغي أن يتحول الاهتمام بالبعد النفسي من التوجيهات العامة إلى ممارسات واضحة في البيئة المدرسية، ويأتي في مقدمتها توفير بيئة آمنة وداعمة تقوم على الاحترام والحوار، وتتيح للطالب التعبير عن رأيه واحتياجاته بكل حرية؛ دون خوف من الوقوع في الخطأ، أو تنمر من زميل، أو تهميش وجهة نظره، مع التعامل مع الأخطاء والمشكلات التي قد يقع فيها الطالب بأساليب تربوية تعزز التعلم وتحمل المسؤولية.
كما ينبغي توسيع مساحة مشاركة الطلبة في الأنشطة المدرسية والمشروعات واللجان والفعاليات والمبادرات، وأيضاً من المهم جداً تعريض الطلبة لمواقف تعليمية تشجعهم على البحث والاستكشاف والحوار واتخاذ القرار وتنظيم الوقت والعمل الجماعي، فكلما وجد الطالب بيئة مدرسية تستمع إليه وتقدر أفكاره، أصبح أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية وصناعة مستقبله. وفي هذا السياق، من المهم جداً أن ينسجم تعزيز البعد النفسي مع توجهات رؤية عُمان 2040 في بناء الإنسان العُماني القادر على التعلم والتطور والمشاركة والإسهام في التنمية، فالوصول إلى منظومة تعليمية ذات جودة عالية؛ لا يرتبط بالمناهج وأساليب التدريس وطرق التقويم فحسب، وإنما يرتبط كذلك بقدرتها على بناء مواطن سوي؛ يمتلك الدافعية والثقة والمهارات التي تمكنه من التعامل مع المتغيرات والمشاركة الفاعلة في مجتمعه وسوق العمل. وتبرز هنا مسؤولية السياسات التعليمية في سلطنة عُمان في جعل البعد النفسي جزءًا من التخطيط لتطوير التعليم، من خلال تأهيل المعلمين والكوادر التربوية، وتصميم ممارسات تعليمية تراعي احتياجات الطلبة، وتعزيز الأنشطة التي تمنحهم فرصًا حقيقية للمبادرة والمشاركة، إلى جانب تطوير أساليب التقويم بحيث تقيس جوانب متعددة من نمو المتعلم، ولا تختزل قدراته في نتائج الاختبارات وحدها.
إن الاستثمار في البعد النفسي هو في جوهره استثمار في الإنسان، ومن هنا، فإن بناء طالب متعلم، واثق، مبادر، قادر على المشاركة الفاعلة؛ يمثل أحد المداخل المهمة لتحقيق جودة التعليم، وتعزيز أهداف بناء الإنسان العماني التي تتطلع إليها سلطنة عُمان في مسيرتها نحو تحقيق مستهدفات رؤية “عُمان 2040”.
المصدر