صالح الحمداني يكتب: اترك للودّ مساحته

صالح الحمداني يكتب: اترك للودّ مساحته

الراك

بوت جالب الاخبار

طاقم الإدارة
إنضم
19 أغسطس 2026
المشاركات
1,664
الحمداني


المسار | مقالات الرأي

صالح بن سعيد الحمداني


الحمداني


في زحام الحياة وتشابك العلاقات الإنسانية قد يجد الإنسان نفسه منشغلًا بأشخاص لم يختاروا له الود، فيراقب تصرفاتهم، ويتوقف عند كلماتهم، ويحاول فهم دوافعهم، وربما يقضي وقتًا طويلًا في البحث عن أسباب الكراهية التي يحملونها تجاهه، ومع تكرار هذا الانشغال، تتحول مشاعر الآخرين إلى عبء يحمله الإنسان معه في يومه، حتى يجد نفسه مستنزفًا نفسيًا من أجل أشخاص قد لا يستحقون كل هذا الحضور في تفكيره. المشكلة أن الإنسان حين يمنح الكاره مساحة واسعة من تفكيره فإنه يمنحه شيئًا من وقته وراحته دون أن يشعر، وقد يبدأ يومه هادئًا ثم تأتي كلمة عابرة أو موقف قديم أو تصرف مستفز، فتعود الذكريات إلى الواجهة، ويبدأ العقل في تحليل التفاصيل من جديد، وهكذا يدخل الإنسان في دائرة من التفكير المتكرر، بينما تمر ساعات عمره دون أن يستفيد منها كما ينبغي. في المقابل هناك أشخاص يحبوننا بصدق، يفرحون لوجودنا، يسألون عنا، يساندوننا في أوقات التعب، ويقفون إلى جانبنا عندما تضيق بنا الظروف، هؤلاء هم الأجدر بالاهتمام، لأن العلاقات الإنسانية في جوهرها تحتاج إلى رعاية متبادلة، وإلى حضور يشعر فيه كل طرف بأنه مقدّر وله مكانة حقيقية في حياة الآخر، والاهتمام طاقة والإنسان يملك قدرًا محدودًا منها كل يوم، لذلك فإن حسن اختيار الأشخاص الذين يمنحهم هذه الطاقة يعد نوعًا من الحكمة والنضج، عندما يوجه الإنسان اهتمامه إلى من يبادله المحبة والاحترام، فإنه يبني علاقات أكثر استقرارًا، ويمنح نفسه فرصة للعيش في أجواء مليئة بالطمأنينة والامتنان. أما الانشغال الدائم بمن يكره أو يقلل من شأنه، فإنه يجعله يعيش وفق ردود أفعال الآخرين، يصبح مزاجه مرتبطًا بكلمة قيلت بحقه، أو موقف صدر من شخص، أو رأي لا يغير شيئًا من حقيقة حياته، وهنا يخسر الإنسان جزءًا من حريته النفسية، لأنه يسمح للآخرين بأن يتحكموا في مشاعره من بعيد، والحياة أوسع من خصومة وأغنى من أن تختصر في موقف عابر، وما يستحق أن يحتل مساحة في القلب هو كل ما يمنح الإنسان معنى جميلًا، وكل علاقة ترفع من روحه، وكل شخص يترك أثرًا طيبًا في أيامه.

من الطبيعي أن يلتقي الإنسان بأشخاص يختلفون معه في الرأي أو الطباع أو طريقة التفكير، ومن الطبيعي كذلك أن يجد من لا يرتاح إليه أو يحمل تجاهه مشاعر سلبية، هذه حقيقة من حقائق الحياة، والتعامل معها يحتاج إلى قدر من الوعي، ولا يستطيع الإنسان أن يفرض المحبة على الجميع، كما أنه لا يستطيع أن يمنع الآخرين من تكوين آرائهم عنه، ما يستطيع فعله هو اختيار الطريقة التي يتعامل بها مع هذه المشاعر، يمكنه أن يحافظ على كرامته، وأن يضع حدودًا واضحة، وأن يواصل حياته دون أن يجعل الكراهية محورًا لأيامه.

القوة الحقيقية تظهر حين يدرك الإنسان أن كل معركة لا تستحق الدخول فيها، وأن بعض المواقف يكون تجاوزها أكثر حكمة من الرد عليها، وأحيانًا يكون الصمت راحة، والابتعاد حماية، والتجاهل وسيلة لاستعادة السلام الداخلي، وحين يمتلئ القلب بمحبة الصادقين تضيق المساحة التي يمكن أن يشغلها الحاقدون، وحين تصبح الأولوية للعائلة والأصدقاء والأشخاص الذين يمنحون الحياة معنى أجمل، تتراجع قيمة الأصوات السلبية التي تحاول تعكير الصفو، ولذلك من الجميل أن يسأل الإنسان نفسه من وقت إلى آخر “من الأشخاص الذين يجعلونني أكثر راحة؟ من الذين أستطيع أن أكون معهم على طبيعتي؟ من الذين يفرحون لنجاحي ويقفون إلى جانبي عندما أحتاج إليهم”؟ هذه الأسئلة قد تساعده على اكتشاف قيمة العلاقات التي تحيط به، وعلى إعادة ترتيب أولوياته الإنسانية، العلاقة الصحية لا تحتاج إلى مطاردة مستمرة، ولا إلى إثبات متواصل لقيمة الإنسان فهناك أشخاص يكفي حضورهم ليمنحك شعورًا بالأمان، وهناك من يجعلون أبسط اللحظات أكثر جمالًا، هؤلاء يستحقون الوقت والاهتمام والامتنان.

العمر أقصر من الخصومات ففي لحظة يكتشف الإنسان أن العمر يمضي بسرعة أكبر مما يتصور، السنوات التي تمر في الغضب والعتاب والانشغال بالآخرين لا يمكن استعادتها، أما اللحظات التي عاشها مع من يحب، والذكريات التي صنعها مع الأشخاص الذين كانوا سندًا له، فهي التي تبقى في الذاكرة وتمنح الماضي قيمته، لهذا ربما تكون إحدى أجمل الحكم التي يمكن أن يعيش بها الإنسان “انشغل بحب من يحبك إلى درجة أنك لا تجد وقتًا لكره من يكرهك” واجعل اهتمامك لمن يقدرك، ووقتك لمن يسعد بوجودك، وقلبك لمن يحافظ على مكانته فيه، فالحياة لا تحتاج إلى أن تربح كل خصومة ولا إلى أن ترد على كل إساءة، ولا إلى أن تثبت نفسك أمام كل من أساء فهمك، يكفي أن تعرف قيمتك، وأن تختار الأشخاص الذين يستحقون قربك، وأن تمضي في طريقك بقلب أكثر هدوءًا ، حينها تصبح الكراهية مجرد ضجيج بعيد، بينما تظل المحبة الصادقة هي الصوت الذي يستحق أن تسمعه.

المصدر
 
مواضيع مشابهة الاكثر مشاهدة عرض المزيد
عودة
أعلى أسفل