المسار | مقالات الرأي
سالم البادي (أبومعن)
مع انقضاء موسم خريف صلالة الاستثنائي، يقف كل من زار محافظة ظفار هذا العام إجلالاً واحتراماً للجهود الجبارة التي تبذلها الجهات الخدمية بالمحافظة. ونخص بالذكر الطفرة النوعية في رصف الطرق وازدواجيتها لتسهيل الحركة المرورية، وتوفير الخدمات العامة المتكاملة، والاهتمام الفائق بالنظافة العامة، والجهود التنظيمية التي جعلت من عُمان واجهة سياحية يفخر بها الجميع. وقد انعكست هذه الجهود بشكل مباشر على جاذبية المحافظة، حيث تشير التقديرات إلى قفزة نوعية في أعداد الزوار؛ إذ ارتفع عدد سياح المحافظة من نحو 960 ألف سائح في العام الماضي، ليتجاوز حاجز 1.2 مليون زائر هذا العام، بنسبة نمو قياسية تعكس المكانة المتصاعدة لظفار كقبلة سياحية أولى في المنطقة. ولكن، لكي تكتمل هذه اللوحة الإبداعية التي رسمتها الجهود الميدانية على الأرض، وجب علينا أن نضع الإصبع على الجرح، وأن نتحدث بعين الغيرة على مصلحة الوطن عن الجانب الآخر من المشهد: “الرحلات الجوية”.
لقد شهد هذا الموسم حالة واسعة من استياء السياح من أداء شركات الطيران، وتحديداً في ملف الرحلات المحلية. وتكفي الإشارة هنا إلى أن نسبة كبيرة من المسافرين عبر الأجواء المحلية واجهوا إما تأخيراً في مواعيد الرحلات، أو صعوبة بالغة في إيجاد حجوزات مرنة خلال فترة الذروة، فضلاً عن الارتفاع الملحوظ في أسعار التذاكر التي قفزت بنسب تجاوزت 40% مقارنة بالأيام العادية. فبين تأخير غير مبرر، وأزمة خانقة في الحجوزات، بات السفر جوياً إلى صلالة يمثل رحلة مشقة لا ترفيه.
وهنا نضع تساؤلاتنا علانية أمام طاولة المسؤولين والمعنيين بقطاع الطيران والنقل الجوي في بلدنا:
أين الخطط الاستباقية لتفادي هذه الأزمات المتكررة؟
ولماذا هذا البطء في إيجاد بدائل تضمن توفير الراحة والرفاهية لزوار عمان؟
إذا كانت شركات الطيران المحلية لم تستطع حتى الآن تلبية متطلبات الرحلات الداخلية واستيعاب هذه الأعداد في موسم مجدول ومعروف توقيته مسبقاً، فكيف سيكون الحال مع الرحلات الدولية والترانزيت التي نطمح لجذبها؟
ولأن هذه التساؤلات نابعة من حرصنا الوطني، فإننا لا نكتفي بالطرح بل نضع أمام الجهات التنظيمية وشركات الطيران حزمة متكاملة من المقترحات التفصيلية والمبتكرة كإجابة عملية واضحة لتصحيح المسار:
- نظام “الجسر الجوي المستمر” : تخصيص أسطول طائرات محدد يعمل في رحلات مستمرة بين مسقط وصلالة، بحيث تقلع طائرة كل ساعة خلال ذروة الموسم دون الحاجة لجدولة معقدة مسبقاً، مما يتيح مرونة هائلة وتوفيراً فورياً للمقاعد للمسافرين بالمطار.
- سقف الأسعار والتذاكر المدعومة للمواطنين: فرض سقف أعلى لأسعار التذاكر المحلية موسمياً لمنع استغلال ذروة الطلب، مع إقرار باقات تذاكر مخفضة ومدعومة حكومياً خصيصاً للمواطنين لتنشيط السياحة الداخلية كحق وميزة وطنية.
- سياسة الأجواء المفتوحة المؤقتة: السماح لشركات الطيران الخليجية والاقتصادية بتسيير رحلات مباشرة متعددة إلى مطار صلالة دون قيود حمائية خلال أشهر الخريف، مما يساهم في تفكيك احتكار السوق وتخفيف الضغط الخانق على الناقل الوطني.
- الاستئجار الموسمي الذكي للطائرات عريضة السعة: إبرام عقود مؤقتة قبل الموسم لاستئجار طائرات ذات سعة مقعدية ضخمة لتشغيلها حصرياً على الخطوط المحلية الأكثر طلباً خلال الفترات الحرجة.
- تفعيل قانون التعويض الفوري والتلقائي للمسافرين: إلزام شركات الطيران بتعويض الركاب مادياً أو عبر تذاكر مجانية فورية عند تجاوز تأخير الرحلة لساعتين دون مبرر قهري، مما يرفع كفاءة الانضباط التشغيلي لدى الشركات.
- باقات الفصول المشتركة (سلاسل الإمداد السياحي): إطلاق اشتراكات جوية سنوية مخفضة لزيارة ظفار في الشتاء والربيع لتشجيع سياحة “مدار العام”، وربط التذكرة بحزم رقمية موحدة تشمل (الطيران + الفندق + السيارة) بالتعاون مع القطاع الخاص لتخفيض التكلفة الإجمالية على السائح.
ختاما؛ إن تجاوز هذه السلبيات وتفادي مشكلات الحجوزات والتأخير في المواسم القادمة ليس مجرد مطلب عابر، بل هو ضرورة وطنية ملحة للاستدامة السياحية. ونأمل أن يكون هذا الموسم درساً تقييمياً تُحل فيه عقدة الأجواء، لتتواكب الخدمات في السماء مع حجم الإنجاز والتطور العظيم الذي نعيشه على الأرض.
المصدر