المسار | مقالات الرأي
سالم البادي (أبومعن)
حينما تسقط المهنية الصحفية، يتحول الحبر إلى سموم، وتتحول المنصات الإعلامية من حصون للتنوير وكشف الحقائق إلى دكاكين تُدار بالمحسوبية والمحاباة، وتخضع لأهواء الشللية واللوبيات الضيقة. عندما يتسلل الحقد والحسد المهني إلى عقول القائمين على المؤسسات الصحفية، تبدأ هذه المنصات بتسفيه الأقلام الجادة وتطنيش الكفاءات الحقيقية التي صنعت مجدها ورفعت اسمها على أكتافها. هذا السقوط الأخلاقي لا يمثل مجرد تهميش لكاتب متميز، بل هو إعلان صريح عن إفلاس قيمي يبدل المصداقية بالبحث الأعمى عن الشهرة الزائفة والمجاملات الفجة. لكن في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، لم يعد الكاتب الحر سجيناً لأمزجة إدارات صحفية مأزومة؛ فالكلمة الصادقة التي تحمل حلولاً مبتكرة وجذرية تملك اليوم أجنحة لتصل إلى وعي الجمهور مباشرة عبر مختلف المنصات وعبر المجموعات الثقافية الرقمية. إن الصحف التي تنكرت لصُنّاع نجاحها تسرع الخطى نحو هامش التاريخ، لأن القارئ لا يمنح ثقته إلا لمن يحترم عقله ويصون شرف الكلمة. لم تكن الصحافة يوماً مجرد حبر على ورق، أو مساحات إعلانية تُباع وتُشترى، بل هي رسالة تنويرية شريفة، وقيمة أخلاقية تقوم في جوهرها على المصداقية والنزاهة.
إن التاريخ الثقافي والإعلامي يعلمنا أن الصحف الكبرى والمنصات الرائدة لم تصنع مجدها من فراغ، ولم تتألق في سماء الفكر إلا بفضل العقول المبدعة التي سكنت صفحاتها، والأقلام الحرة التي رفعت بنيانها، وصنعت لها اسماً يتردد على ألسنة القراء. لكن المشهد المؤلم الذي نراه يتكرر اليوم في بعض الأوساط الصحفية، هو تحول هذه المؤسسات من منابر للتنوير إلى ساحات تُدار بـ «المحسوبية» و«المحاباة». إنه لأمر مؤسف أن ترى صحيفةً نهضت وتألقت وصعدت على أكتاف الكتاب والأدباء والمفكرين، والذين كانت مقالاتهم تلقى قبولاً واسعاً وتتصدر قائمة الأكثر قراءة، ثم تنقلب هذه المنصة فجأة لتستخدم سياسة التهميش والتجاهل بحق كُتّابها المتميزين. حينما يتسلل «الحقد المهني» أو «الحسد غير المعلن» إلى أروقة العمل الصحفي، ويبدأ القائمون على هذه المنصات بتسفيه الأقلام الجادة وتطنيش النتاج الفكري المتميز، فإنهم لا يؤذون الكاتب نفسه، بل يوجهون طعنة قاتلة لمهنتهم وللقارئ الذي وثق بهم. إن لجوء بعض الإدارات الصحفية إلى تقريب ذوي الحظوة من «أصحاب الشللية» على حساب الكفاءة الحقيقية، هو دليل عجز وإفلاس قيمي. إنهم يبحثون عن شهرة زائفة وعابرة، ويفضلون المجاملات الفجة على حساب المحتوى الرصين والكلمة الصادقة التي تبني المجتمع وتطرح الحلول المبتكرة والجذرية.
إن زمن «الشـلـلـيـة» و«المحسوبية» في الإعلام قد ولّى وراحت آثــاره في عصر الـفـضـاء الـرقـمـي المـفـتـوح. الكاتب الحقيقي الذي يملك قلماً نابضاً بالحق ومقالات يبحث عنها الجمهور، لم يعد سجيناً لقرار رئيس تحرير مجامل، أو سياسة مؤسسة متحيزة. الأقلام الحرة اليوم تملك أجنحة تحلق بها في منصات بديلة وعالمية، وفي مجموعات وثقافات رقمية واسعة، تصل مباشرة إلى وعي القارئ دون وصاية من أحد. إن المهنية الصحفية الحقيقية تقتضي الوفاء للأقلام التي صنعت مجد المؤسسة، وتتطلب بيئة صحفية تحتفي بالإبداع لا بالموالاة. ختاماً، يجب على تلك الصحف المأزومة أن تستفيق من وهم الشهرة الزائفة، وتدرك أن مجدها الذي صعدت به على أكتاف الأدباء والمفكرين ليس صك تملّك دائم. إن الكاتب الحقيقي يملك فكراً عصياً على التهميش، وقلماً حراً لا يُباع في سوق المحسوبيات. عندما تسقط المهنية الصحفية في وحل الحسد والمحاباة، فإن المؤسسة لا تقضي على الكاتب، بل تكتب وثيقة وفاتها المهنية، وتعلن انتحار مصداقيتها أمام قارئ ذكي لم يعد تنطلي عليه ألاعيب المجاملات. الكلمة الصادقة باقية ولها أجنحة تحلق بها في فضاءات رقمية أرحب، أما النفعيون والانتهازيون فستجرفهم أمواج التغيير إلى هامش النسيان والتاريخ لا يرحم المتنكرين.
المصدر