المسار | مقالات الرأي
سالم البادي (أبومعن)
على مر التاريخ، ظلت سلطنة عُمان طوداً شامخاً لا تهزه العواصف، وواحة أمن وأمان تستعصي على محاولات النيل من سيادتها أو النيل من نسيجها الفكري والديني المترابط.
وفي الآونة الأخيرة، رصد المتابعون هجمات إعلامية ممنهجة تقودها أسراب من “الذباب الإلكتروني” والأصوات المأجورة التي تحاول يائسة استهداف هذا الوطن العظيم؛ تارة بالهجوم على مذهبها وفكرها، وتارة بالتشكيك في مواقفها وسيادتها وسياستها، وأخرى باللمز في علمائها الأجلاء الذين قضوا عمرهم في خدمة الشريعة الإسلامية السمحاء.
وأمام هذا المشهد الصاخب، يصح في هؤلاء قول القائل: “تَمُوتُ الأُسْدُ فِي الغَابَاتِ جُوعاً.. وَلَحْمُ الضَّأْنِ تَأْكُلُهُ الكِلاَبُ”،
ونقول لهم بلسان الحكمة العُمانية: إن نباح الكلاب لا يضر السحاب، ولن ينال من قامة عُمان الشامخة، مصداقاً لقوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد:17].
إن السياسة الخارجية العُمانية ليست وليدة العصر أو نتاج تقلبات سياسية عابرة، بل هي امتداد لعمق تاريخي شهدت له الأمم، حيث قامت على أسس راسخة من بسط السلام ونبذ الشقاق، ممتثلة لأمر الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9].
لقد جسدت عُمان مفهوم الاستقلالية والسيادة والوقوف مع الحق في أحلك الظروف؛ ويكفي التاريخ فخراً بموقفها الشجاع عام 1978 عندما رفضت مقاطعة جمهورية مصر العربية إبان توقيع اتفاقية كامب ديفيد، فرغم الإجماع العربي حينها على المقاطعة، آثرت عُمان الحكمة والنظرة البعيدة، وأبقت على أبوابها مفتوحة إيماناً منها بأن عزل مصر إضعاف للأمة بأسرها. ولم تكن هذه الحكمة استثناءً، بل تجسدت بقوة حين وقفت السلطنة بصلابة ضد احتلال دولة الكويت الشقيقة عام 1990 وشاركت في جهود تحريرها وعودة الحق لأصحابه.
وفي العصر الحديث، تجلت ريادتها الدبلوماسية العالمية في صناعة السلام ونزع فتيل الحرب الكبرى بالمنطقة من خلال وسطاتها التاريخية بين إيران والولايات المتحدة التي مهدت للاتفاق النووي لعام 2015، فضلاً عن جهودها الإنسانية الصادقة والمستمرة لحقن دماء الأشقاء في اليمن وجمع شملهم.
هذا النهج المتزن جعل من عُمان “رسول سلام” عالمي موثوق، تلوذ به الأطراف المتنازعة لحل أعقد الأزمات.
أما الهجوم على مذهب عُمان وعقيدتها، فهو طعن في الفهم الإسلامي النقي القائم على التسامح والتعايش الشامل كما أمر الخالق سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]؛ إذ تكاد تكون سلطنة عُمان الدولة الوحيدة التي استطاعت بكفاءة تاريخية أن تجمع على أرضها وفي وئام تام جميع المذاهب الإسلامية المتنوعة والأديان الأخرى، نابذةً كل أشكال العنصرية والتفرقة. هذا التعايش لم يُترك للمصادفة، بل جعلته عُمان أساساً متيناً من أسس الحكم، وصاغت من أجله أطراً قانونية صارمة من خلال النظام الأساسي للدولة والتشريعات الوطنية ولائحة قانون الجزاء العماني التي تجرم صراحة وتكافح التعصب الديني، أو المذهبي، أو إثارة النعرات العنصرية والأحقاد، واضعةً لها أقسى العقوبات القانونية والجزائية زجراً لكل من تسول له نفسه المساس بأمن المجتمع.
وبفضل هذه البيئة التشريعية الحازمة والوعي المجتمعي الممتد، يتراءى المجتمع العُماني كنسيج واحد متماسك وعروة وثقى لا تنفصم بكل طوائفه ومكوناته؛ حيث يصلي الجميع في ذات المسجد، ويتشاركون المبادئ الإنسانية ذاتها بلا شقاق أو إقصاء. وإذا ما أردنا الحديث عن ذروة الصدع بالحق والشجاعة والكرامة، فإن الموقف العُماني الرسمي والشعبي تجاه القضية الفلسطينية وعدوان الاحتلال على قطاع غزة يمثّل امتثالاً حقيقياً لقوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72].
فقد تجلى موقف سلطنة عُمان بثباتٍ دبلوماسي صلب يرفض التهجير ويدين جرائم الحصار والتنكيل، متزامناً مع الحضور الاستثنائي والفريد لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام للسلطنة. لقد وقف سماحته وحيداً شامخاً على مستوى العالم الإسلامي بصوتٍ جسور لم تجرؤ عليه منابر دينية كبرى في دول عربية وإسلامية أخرى؛ حيث كان ولا يزال ينشر البيانات الواضحة والمباشرة التي تشيد علناً بالمقاومة الفلسطينية الباسلة وتثني على جهاد الأبطال الأحرار في غزة وفلسطين. لم تكن بيانات سماحته دبلوماسية خجولة أو عبارات منمقة، بل كانت رسائل عقدية وقرآنية صارمة باركت عملية “طوفان الأقصى” واعتبرتها من بشائر النصر، مندداً بخذلان القريب وتثبيط المثبطين. هذا الموقف الفريد لسماحة المفتي العام جعل من شخصه ورمزيتّه منارة يفخر بها كل مسلم حر، بل ودفع رجال المقاومة الأبطال في قلب غزة المحاصرة إلى رفع صورته بكل إجلال مقرونة بعلم سلطنة عُمان في قلب الميدان تقديراً لصدقه الجسور وثباته الذي لا يتزحزح.
إن المحاولات البائسة للنيل من هؤلاء الأعلام لا تزيدهم إلا رفعة في قلوب المسلمين، ولا تزيد المنهج العُماني إلا رسوخاً، فهو منهج يرفض الغلو والتطرف، ويجمع ولا يفرق، ويقف مع المظلوم حتى يعود له حقه. ولعل أبلغ رد تاريخي يخرس ألسنة السوء المتطاولة، هو ما دُوّن في السيرة النبوية العطرة، متسقاً مع توجيه الحق سبحانه في الرد بالحكمة والترفع: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].
فعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى أهل عُمان مع عمرو بن العاص، أجابوا طواعية ودخلوا الإسلام سلماً بفضل وعيهم وحكمتهم دون أن تُسفك في أرضهم قطرة دم واحدة. ولنا في شهادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أسمى وسام وأقوى رد؛ حيث قال في حق أهل عُمان: “لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك”. هذه التزكية النبوية الشريفة هي شهادة أزلية على أخلاق هذا الشعب العظيم الذي يضرب به المثل في الأدب، والشهامة، والترفع عن البذاءة.
إن الأخلاق العُمانية الأصيلة تمنع أبناء هذا الوطن من الانحدار إلى مستنقع المهاترات الإلكترونية، فترفعهم هو قطع لدابر الفتنة، وصمتهم الحكيم هو أبلغ جواب يخرس الألسنة المسعورة التي تقتات على إثارة الخلافات وتأجيج الصراعات.
وختامًا؛ ستبقى سلطنة عُمان، بقيادتها الحكيمة وشعبها الوفي وعلمائها الأتقياء، منارة للحق والاعتدال، ولن تزيد هذه الحملات الممنهجة الجبهة الداخلية العُمانية إلا تماسكاً والتفافاً حول ثوابتها الوطنية والدينية. أما أولئك المرجفون في الأرض، فسيذهب زبدهم جفاءً، وتتلاشى أصواتهم في مهب الريح، وتبقى سلطنة عُمان راسخة كجبالها، عزيزة بسيادتها، طاهرة بجهود رجالها، ماضية في طريق البناء والسلام بخطى ثابتة لا تلتفت لوراء، مرددة بلسان اليقين قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج 38].
المصدر