المسار | مقالات الرأي
محمد بن علي البادي
محمد بن علي البادي
في أوقات الأزمات المتصاعدة، تتقدم لغة القوة العسكرية والأمنية المشهد الإقليمي والدولي. غير أن سلطنة عُمان تقدم نموذجًا استراتيجيًا مختلفًا؛ نموذجًا لا يختزل القوة في المدافع، ولا يرى في الدبلوماسية موقفًا ناعمًا، بل يعتمدها كعقيدة حماية ومصدّ دفاع أول عن السيادة الوطنية والاستقرار الإقليمي.
إن التحرك الدبلوماسي العُماني لا ينطلق من ردود أفعال لحظية، بل من فلسفة راسخة تُعلي من قيمة الحوار وتتبنى «دبلوماسية الجسور» بدلاً من سياسة القطيعة. وإذا كان الجندي على الحدود يمثل الخط الدفاعي الأخير لحماية الأرض، فإن الدبلوماسي الحاضر في أروقة التفاوض هو خط الدفاع الأول الذي يمنع نشوب الصراعات أو يحدّ من اتساعها.
وتتجلى أهمية هذا الدور بالنظر إلى الطبيعة الجيوسياسية للمنطقة؛ فالإقليم يحمل وزنًا استراتيجيًا يمس شريان الطاقة العالمي والملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. وعُمان، بحكم موقعها على هذا الممر الحيوي، تقع في قلب التداعيات الأمنية والاقتصادية لأي مواجهة، مما يجعل استقرار المنطقة مسألة أمن قومي مباشر.
تفرق عُمان بدقة بين أن تكون الدولة متأثرة بالحرو ب وبين أن تكون طرفًا في القتال. فحضورها لم يقم يومًا على الاصطفافات الصفرية، بل على تراكم الثقة الذي جعل منها مساحة آمنة تلجأ إليها الأطراف لتفادي التصعيد. هذا النهج يمثل «القوة الناعمة الذكية»؛ فالدولة القوية ليست التي ترفع نبرة خطابها الإعلامي، بل التي تملك قدرة ضبط الإيقاع وفتح أبواب الحوار عندما تُغلق كافة المنافذ.
إن عُمان لا تحتاج إلى خوض الحروب لتثبت وزنها الإقليمي؛ فحضورها يتجلى في هندسة مخرجات السلام. وفي زمن تتسارع فيه التطورات، تصبح الحكمة السياسية خيارًا لا يقل أهمية عن الجاهزية العسكرية. فالقوة العسكرية تحمي الجغرافيا، لكن الدبلوماسية الحصيفة تحمي المستقبل.
هذه هي عُمان.. لا تمارس الحياد كهروب، بل تطبقه كحياد إيجابي مُنتج يثبت أنه حين تتحدث المدافع، يبقى صوت العقل هو الطريق الوحيد لتجنيب المنطقة مزيدًا من الدمار.
المصدر