محمد البادي يكتب: عُمان والواقعية السياسية

محمد البادي يكتب: عُمان والواقعية السياسية

الراك

بوت جالب الاخبار

طاقم الإدارة
إنضم
19 أغسطس 2026
المشاركات
5,046
محمد بن علي البادي 1


المسار | مقالات الرأي

محمد بن علي البادي


في عالمٍ لا تُدار فيه السياسة بالنوايا وحدها، ولا تُقاس فيه قوة الدول بحجمها أو بقدراتها المادية المجردة، تبرز تجارب لدولٍ اختارت أن تجعل من فهم الواقع ومُعطياته مصدراً رصيناً للقوة. فحين لا تستطيع الدولة تغيير جغرافيتها، يبقى السؤال الاستراتيجي الأهم: هل تستطيع أن تجعل من تلك الجغرافيا ورقة قوةٍ وتأثير؟

في الحالة العُمانية، يأخذ هذا السؤال أبعاداً عميقة وأصالةً فريدة؛ فالسلطنة تقع في موقع استراتيجي استثنائي؛ إذ تشرف على مضيق هرمز الذي يصل الخليج العربي ببحر عُمان، كما تطل على بحر العرب المتصل بالمحيط الهندي. وفي مثل هذه البيئة الجغرافية الحساسة التي تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، لا يكون الانكفاء خياراً واقعياً، كما أن الانخراط في كل استقطاب قد يُضيّق مساحة الحركة ويُرهق القرار الوطني. من هنا، تتبدى التجربة العُمانية بوصفها نموذجاً رفيعاً لـ “الواقعية السياسية”؛ ليس باعتبارها تطبيقاً حرفياً لنظرية أكاديمية، بل بوصفها نهجاً عملياً في إدارة الممكن: قراءة الجغرافيا كما هي، تحديد المصالح الوطنية بوضوح، واستخدام الدبلوماسية المتوازنة لتوسيع هامش استقلال القرار والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع الجميع.

فالجغرافيا العُمانية لم تكن مجرد قدرٍ يفرض على الدولة حساباتها، بل أضحت -عبر الدبلوماسية الرشيدة والتوازن الاستراتيجي- أداةً راسخة من أدوات القوة والنفوذ الهادئ. فالموقع الحساس قد يكون مصدراً للمخاطر، لكنه يمنح الدولة مساحةً استثنائية للفعل إذا ما أحسنت إدارة شبكة علاقاتها. وعوضاً عن النظر إلى الموقع باعتباره دافعاً للانقسام والاصطفاف، حوّلته عُمان إلى حافزٍ لبناء علاقات ممتدة وتجنب قطيعة الأطراف، مدركةً أن القوة في العلاقات الدولية ليست عسكرية أو اقتصادية مجردة، بل ثمة قوة ناعمة تتشكل من الثقة والمصداقية والقدرة على الجمع بين الفرقاء عندما تضيق مساحات التفاهم.

لكن القيمة الحقيقية لهذا النهج الواقعي لا تظهر بوضوح إلا في لحظات الاختبار الكبرى، وحين تعصف بالمنطقة الأزمات المشتعلة. وفي هذا السياق، جاءت أحداث عام 2026 لتضع النظام الإقليمي والدولي أمام امتحانٍ قاسٍ؛ إذ لم تبقَ المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى محصورةً في حدودها، بل تمددت نيرانها لتصيب الشريان الحيوي للطاقة والملاحة في مضيق هرمز.

وهنا تبرز نقطة حاسمة لتفكيك السرديات السطحية للأزمة: هرمز لم يكن هو الذي أشعل الحرب.. بل الحرب القادمة من الخارج هي التي بلغت هرمز. فمن الناحية الزمنية، بدأت المواجهة بضربات واسعة استهدفت الداخل الإيراني، ثم تتابعت ردود الفعل لتطال حركة الناقلات والملاحة التجارية. وبالتالي، فإن اختزال الأزمة في أن المضيق هو مصدر التوتر يغفل جذور الصراع؛ والأدق إستراتيجياً القول إن الحرب بدأت في مسرح سياسي وعسكري معين، ثم وجدت في هرمز واحدةً من أخطر ساحاتها وأشدها تأثيراً على الاقتصاد العالمي. لقد كشفت هذه الأزمة أن المضيق -الذي كان ينقل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال- ليس مجرد خط جغرافي، بل هو القوّام الأساسي لاستقرار أسواق الطاقة من آسيا إلى أوروبا، وكل اضطراب فيه يصل أثره المباشر إلى اقتصادات تبعد آلاف الكيلومترات.

وعلى ضفتي هذا الممر الحساس تقف عُمان وإيران. وبالنسبة لسلطنة عُمان، فإن محافظة مسندم تجعلها جزءاً أصيلاً من هذه الجغرافيا الملتهبة. وأمام هذا الواقع، تجلت الواقعية العُمانية في أبهى صورها؛ فلم تكن عُمان هي من اختار استدعاء الصراع إلى تخوم مياهها، ولكنها واجهت الموقف برفضٍ تام لتحويل الممر إلى ساحة مواجهة دائمة، مع تفعيل الدبلوماسية الوقائية لفتح قنوات الحوار والوصول إلى ترتيبات أمنية وممرات آمنة لتدفق التجارة. وبينما كانت بيئة الصراع تدفع باتجاه فرض قيود بحرية وتصعيد العسكرة، كانت مسقط تعمل بصمت على ضمان أن يبقى البحر طريقاً للعبور والتبادل، لا ميداناً للصدام العبثي.

تثبت هذه التجربة أن الدولة التي تربط سياستها بالكامل بمحور واحد تفقد خياراتها عندما تشتد الأزمات، بينما يحافظ استقلال القرار وتنوع العلاقات على مرونتها. وقد تختلف مسقط وطهران في ملفات وحسابات متعددة، لكن الجغرافيا فرضت عليهما حقيقة أبدية بأنهما دولتان متجاورتان تشرفان على أهم ممر مائي في العالم، ومن هنا تنبع مسؤوليتهما التاريخية في ألا يُترك مستقبل هرمز مرتهناً بالكامل للحسابات العسكرية للقوى البعيدة. إن للدول المطلة على المضيق مصلحة مباشرة وأساسية في حمايته ومنع تحوله إلى مسرح صراع دائم، ومن هذا المنطق تنبع الرؤية العُمانية الداعية إلى تحويل هرمز من “ورقة ضغط في صراع الكبار” إلى “مساحة للتفاهم والتعاون الإقليمي”.

إن السؤال الأجدر بالتأمل بعد أن تسكت أصوات المدافع ليس فقط: من انتصر في هذه الجولة؟ بل: ما الذي أحدثته الحرب في مفهوم الأمن البحري لمضيق هرمز؟ لقد أثبتت الأحداث بوضوح أن أمن الممرات المائية لا يمكن أن يُبنى على التواجد العسكري المكثف أو التصعيد المستمر، وأن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي.

وهرمز اليوم يحتاج إلى رؤية تتجاوز منطق الردع العسكري القائم على السلاح، وتتجه نحو ترتيبات إقليمية واضحة، وحماية مُعززة للملاحة، وقنوات اتصال مفتوحة تديرها دبلوماسية واعية بإدراك أن أمن الممر يبدأ من منع الأسباب المؤدية إلى الحروب، لا من مجرد التعامل مع تداعياتها.

إن قوة سلطنة عُمان لم تكن يوماً في ارتفاع الأصوات أو الاندفاع نحو كل مواجهة، بل في القدرة على اختيار أدوات التأثير، والحفاظ على استقلال القرار، والتحرك بحكمة وسط شدائد التعقيد. وحين تتحول الجغرافيا إلى دافع لبناء جسور التواصل، والتوازن إلى مساحة للحركة، والدبلوماسية إلى درع لحماية المصالح الوطنية، يتحول الموقع الذي قد يراه الآخرون عبئاً إلى عنصر قوةٍ إستراتيجية راسخة.

فالمضيق الذي تعبر منه طاقة العالم يجب ألا يبقى أسيراً لحروب تأتيه من عابري البحار والقارات؛ وإذا كان التاريخ قد وضع عُمان وإيران على ضفتي هذا الممر، فإن الواقعية السياسية تقدم للعالم الدرس الأكبر: أن أمن هرمز لا يبدأ من انتشار السفن الحربية، بل من إعمال الحكمة التي تمنع قيام الحروب من أساسها.

المصدر
 
مواضيع مشابهة الاكثر مشاهدة عرض المزيد
عودة
أعلى أسفل