محمد البادي يكتب: الحياد العُماني.. فلسفة القوة والسلام

محمد البادي يكتب: الحياد العُماني.. فلسفة القوة والسلام

الراك

بوت جالب الاخبار

طاقم الإدارة
إنضم
19 أغسطس 2026
المشاركات
8,640
محمد بن علي البادي 1


المسار | مقالات الرأي

محمد بن علي البادي


لم يكن الحياد بالنسبة لسلطنة عُمان في يوم من الأيام محض قرار سياسي طارئ، ولا إملاءً أملته الظروف المتغيرة، بل تشكّل عبر عقود طويلة كعقيدة أمن قومي راسخة، ورؤية استراتيجية تتجاوز لحظات الانفعال السياسي العابر. وفي منطقة تحكمها الاستقطابات الحادة، وتتجاذبها المحاور، اختارت مسقط أن تبني نموذجاً استثنائياً في إدارة العلاقات؛ نموذجاً لا يرى في الحياد انسحاباً أو صمتاً، بل يراه أقصى درجات الممارسة السياسية نضجاً وشجاعة.

إن قراءة السياسة الخارجية العُمانية تبدأ دائماً من قراءة الخريطة واستحضار الإرث التاريخي. فالجغرافيا العُمانية، المطلة على بحر عُمان والمحيط الهندي والمشرفة على أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية في مضيق هرمز، تتكامل مع تاريخ عريق لإمبراطورية بحرية ضاربة في القدم. لقد كانت عُمان منذ القدم نقطة تلاقٍ حضارية وثقافية بين أطراف الأرض، والتجارة البحرية الممتدة عبر البحار فرضت بطبيعتها ثقافة السلام، والانفتاح، وصيانة ممرات الملاحة، وتجنب الصراعات التي تعطّل مصالح الشعوب. ومن هذا المنطلق، لم تكن المبادئ التي أعاد مجلس الوزراء التأكيد عليها والمتمثلة في حسن الجوار، والحياد الإيجابي، وعدم التدخل، والحوار المفتوح، مجرد صياغات إنشائية، بل هي دليل عمل لدولة تدرك أن الجيران باقون بينما تتغير الحكومات والتحالفات. والحياد العُماني لم يكن يوماً حياداً سلبياً ينكفئ على ذاته، بل كان دائماً بنّاءً يمارس التأثير بالهدوء لا بالضجيج. مسقط لا تمارس مجرد الوساطة التقليدية أو نقل الرسائل، بل تتجاوز ذلك إلى ممارسة الدبلوماسية الوقائية التي تعمل بهدوء على نزع فتيل الأزمات قبل انفجارها، وتوفير بيئة آمنة للحوار بعيداً عن صخب الإعلام وعدسات الكاميرات. فالدولة التي استطاعت أن تحافظ على جسور التواصل في أعتى أوقات الصراع الإقليمي، هي ذاتها التي هيأت الأرضية للمشاورات والدعوات إلى التهدئة في الملفات المعقدة، وظلت القناة المأمونة والوسيط الموثوق في الأزمات المجاورة، وصولاً إلى استضافتها للمشاورات الحاسمة بين الأطراف المتنازعة لإعادة التوازن للمفاوضات المتعثرة. هذه الأدوار الاستثنائية أثبتت أن القدرة على مخاطبة جميع الأطراف في وقت واحد تمنح الدولة وزناً سياسياً يربك الحسابات التقليدية للقوة، ويتفوق بمراحل على لغة السلاح أو حجم الاقتصاد.

ولعل الاختبار الحقيقي لهذا الحياد يكمن في قدرته على الصمود خلال أوقات الاستقطاب الشديد، إلى جانب بعده الإنساني الناصع الذي جعل العالم يثق بمسقط. فحين تشتعل المواجهات، تثبت مسقط أن حيادها لا يعني الوقوف على هامش الأحداث أو العجز عن اتخاذ موقف؛ حيث تعلن بوضوح إدانتها للعدوان والتصعيد وشجبها لاستهداف أمن المنطقة، وفي الوقت ذاته تحافظ على بقاء القنوات مفتوحة بين الجميع. يرافق ذلك دور إنساني مجرد من الأغراض الضيقة، يتجلى في تسهيل الإفراج عن المحتجزين وإعادة الرعايا ونجدة الملهوفين في مناطق الصراع، مما رسّخ صورة عُمان كواحة أمان إنسانية. هنا يتبدى جوهر الفلسفة العُمانية: الحياد ليس صمتاً عن الحق، بل هو رفض قاطع لأن تصبح أراضي الدولة أو سياستها الخارجية وقوداً لمعارك الآخرين.

وهذا التوازن لا يخدم الأمن السياسي فحسب، بل يمتد ليشكل العمود الفقري للرؤية الاقتصادية للسلطنة. ففي عالم تبحث فيه رؤوس الأموال عن البيئات المستقرة، يقدم النموذج العُماني ضمانة نادرة للمستثمرين. إن تطوير الموانئ الكبرى، وتعزيز قطاعات النقل واللوجستيات والسياحة والاستثمار، يتطلب بالضرورة سياسة خارجية قائمة على التهدئة والابتكار والابتعاد عن التجاذبات التي قد تعرض المصالح الاقتصادية للمخاطر.

وفي عصر التكتلات الحادة والتحالفات القاسية، قد يظن البعض أن مساحة الحياد تضيق، لكن الحقيقة أثبتت أن العالم في أوقات الانقسام يصبح أحوج ما يكون إلى “الدول الجسور” التي تمتلك الشجاعة والمصداقية لجمع الفرقاء عندما تنقطع كافة خطوط التواصل. ورأس المال الحقيقي الذي تراكم لدى مسقط عبر عقود لا يُقاس بالأرقام، بل بكلمة واحدة: الثقة. هذه الثقة هي ثمرة سياسة تقوم على التوازن، والانفتاح، والحياد، والاحترام المتبادل، ورفض التبعية؛ ثقة جعلت من اسم مسقط مرادفاً للحلول واللقاءات المغلقة عندما تُغلق كافة الأبواب.

في النهاية، يتضح أن الحياد العُماني لم يكن يوماً هروباً من مواجهة الواقع، بل كان الطريقة الأكثر ذكاءً وعمقاً لإدارة الواقع. إنه موقف دولة تعرف قدرها وجغرافيتها، وتستوعب درس التاريخ الخالد: أن المحاور والتحالفات اللحظية قد تمنح مكاسب خاطفة، لكن الدبلوماسية المتوازنة والعقيدة السليمة هي الوحيدة القادرة على صيانة أمن أوطان بأكملها لعقود طويلة.

المصدر
 
مواضيع مشابهة الاكثر مشاهدة عرض المزيد
عودة
أعلى أسفل