محمد البادي يكتب : من تحصيل المعرفة إلى بناء الإنسان

محمد البادي يكتب : من تحصيل المعرفة إلى بناء الإنسان

الراك

بوت جالب الاخبار

طاقم الإدارة
إنضم
19 أغسطس 2026
المشاركات
8,775
محمد بن حمد البادي 1


المسار | مقالات الرأي

محمد بن حمد البادي، أخصائي توجيه مهني


محمد بن حمد البادي 1


أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه أي منظومة تعليمية أن تنتظر من الطالب، في نهاية الطريق، أن يعرف ماذا يريد أن يدرس وأي مهنة يريد أن يمارس، بينما لم تمنحه في بدايات الطريق فرصة كافية ليعرف نفسه: ماذا يحب؟ ماذا يستطيع؟ وأين تكمن قدراته؟ كيف نطالبه باختيار مستقبله ونحن لم نساعده أولًا على اكتشاف ذاته؟ فالمستقبل الدراسي لا يبدأ عند اختيار المواد الدراسية، كما أن المستقبل الوظيفي لا يولد لحظة اختيار التخصص؛ كلاهما يبدأ أبكر بكثير، من طفل صغير تتشكل أمامنا ملامح شخصيته، وتظهر في أسئلته واهتماماته وطريقة تفكيره ومهاراته مؤشرات أولى على ما يمكن أن يصبح عليه، وهنا تحديدًا يبدأ الاستثمار الحقيقي في الإنسان.

لقد آن الأوان لأن نتجاوز النظرة التي تختزل نجاح الطالب في درجته، وتضع التحصيل الدراسي وحده معيارًا لقدراته، فالطالب ليس رقمًا يسجل في كشف الدرجات، والاختبار مهما بلغت أهميته ومصداقيته لا يستطيع أن يرى الإنسان كاملًا، فهناك قدرات لا تظهر في ورقة إجابة، ومواهب لا تحفظها المناهج، وملامح شخصية قد لا تمنحها الدرجات حقها.

لذلك تصبح الطفولة المبكرة نقطة البداية لبناء المستقبل، لا باعتبارها مرحلة تعليمية تسبق المراحل الأخرى فحسب، بل بوصفها مساحة لاكتشاف الإنسان قبل أن تختزله المدرسة في مقرر واختبار، ففيها يمكن أن تظهر ميول الطفل نحو التواصل، أو الإبداع، أو التقنية، أو الفن، أو الرياضة، أو القيادة، أو حل المشكلات، وتلك المؤشرات تستحق أن تُرى وتُفهم وتُرعى. لكن اكتشاف القدرة لا يعني أن نستعجل في تصنيف الطفل أو نكتب له مستقبله قبل أن يعرفه هو بنفسه، فذلك قد يحوّل الاكتشاف إلى قيد، الطفل في هذه المرحلة ليس مشروعًا مكتمل الملامح؛ يحتاج إلى أن يجرب ويخطئ، ويغير اهتمامه، ويكتشف مجالات جديدة، ثم يعاود المحاولة، وما نراه اليوم ميلًا عابرًا قد يصبح غدًا موهبة، وما نظنه ضعفًا في مجال قد يخفي بين ثناياه تفوقًا فريداً في مجال آخر.

ومن هنا، فإن المطلوب من المدرسة أن تبحث عن الطالب خارج حدود الكتاب والاختبار؛ أن تراه وهو يحاور، ويبتكر، ويعمل مع الآخرين، ويحل مشكلة، ويقود فريقًا، ويمارس هواية، ويطرح سؤالًا غير مألوف، فكم من موهبة عبرت أبواب المدرسة ولم تجد من يلتفت إليها، لأننا كنا نقيس ما يعرفه الطالب أكثر مما نكتشف ما يستطيع أن يكونه.

ولهذا لا ينبغي أن تبقى الهوايات والأنشطة مساحة هامشية تُستدعى عندما يسمح الوقت، بل جزءًا من التربية التي تكشف الشخصية وتنمي المهارة، فالمطلوب ليس اكتشاف الموهبة فقط، وإنما تحويلها إلى قدرة، والقدرة إلى مهارة، والمهارة إلى قيمة يمكن أن يبني بها الطالب مستقبله، وفي المقابل، فإن الموهبة وحدها لا تكفي؛ فهي تحتاج إلى الانضباط، والمثابرة، والقيم، والتعلم المستمر حتى تتحول من إمكان إلى إنجاز.

وهنا يتغير مفهوم التوجيه المهني نفسه، فلا ينبغي أن يظهر في حياة الطالب متأخرًا، عندما يصبح اختيار المواد الدراسية أمرًا واقعًا، أو أن يكون التخصص في مؤسسات التعليم العالي أمراً مفروضاً، بل ينبغي أن يكون مسارًا تربويًا متدرجًا يبدأ مبكرًا، يساعد الطالب على فهم ذاته، وربط قدراته وميوله بالمسارات التعليمية والمهنية المتاحة، ثم اتخاذ قراراته بوعي بدل أن يختار تحت ضغط الدرجات أو توقعات غير منطقية لا تتناسب مع ميوله واهتماماته.

وهذه مسؤولية لا تستطيع المدرسة وحدها أن تحملها، فالأسرة تكتشف وتدعم وتتابع، والمدرسة ترعى وتوجه، والمعلم يلاحظ الفروق ويفتح أبواب التجربة، والمجتمع وسوق العمل يقدمان للطالب صورة أكثر واقعية عن الفرص والتحديات، وعندما تتكامل هذه الأدوار، لا يصبح بناء الإنسان مهمة مدرسية محدودة؛ بل مشروعًا وطنياً سامياً ينسجم مع مستهدفات رؤية عمان 2040.

لذلك، ربما آن الأوان لأن نغير السؤال الذي نطرحه على أبنائنا مراراً وتكراراً: ماذا ستصبح؟»، علينا أن نسأله: «من أنت؟ ماذا تحب أن تكون؟ ماذا تستطيع؟ وما الذي تريد أن تكتشفه؟». فمهمتنا ليست أن نختار مستقبل أبنائنا نيابة عنهم، وإنما أن نعزز فيهم القدرة على اختياره.

إن أعظم استثمار في التعليم ليس أن نُخرج طالبًا يعرف الإجابات كلها، بل إنسانًا يعرف نفسه أولاً، ويثق بقدرته على التعلم وتطوير الذات، ويمتلك المهارة والقيم والمبادرة التي تمكنه من صناعة مستقبله، وعندما ننجح في اكتشاف الإنسان الكامن داخل كل طفل، فإننا لا نكتشف موهبة فحسب؛ بل نفتح طريقًا لمستقبل دراسي ووظيفي أكثر وعيًا، ونبني في الوقت نفسه الإنسان الذي يحتاج إليه وطننا للمستقبل.

المصدر
 
مواضيع مشابهة الاكثر مشاهدة عرض المزيد
عودة
أعلى أسفل